. . .

    عمارة الطين من الفشل الى النجاح

    شاطر

    محمد
    مشرف
    مشرف

    ذكر عدد المساهمات: 131
    نقاط: 230
    تاريخ التسجيل: 20/11/2009

    عمارة الطين من الفشل الى النجاح

    مُساهمة من طرف محمد في السبت أكتوبر 08, 2011 10:55 pm



    عمارة الطين من الفشل الى النجاح

    منقول للفائدة

    سألت المهندسالمعماري الدكتور سيد كريم في مقابلة صحفية عن رأيه في عمارة زميله حسن فتحي - والدكتور سيد كريم من جيل حسن فتحي، ومن المعارضين لأسلوبه في البناء - قال:

    " إنه يحاول إحياء أشكال معمارية ماتت منذ زمن طويل، يحاول إخراجها منالمتحف ليعيد إليها الحياة، ومثل هذه الأشكال التراثية لا تصلح اليوم إلا فيالكرنفالات. تماما كمن يستخرج زي نابليون من المتحف، إنه لن يرتديه إلا في حفلاتالكرنفال. وإذا كانت عمارة أجدادنا الطينية تقوم بتعديل الحرارة 15 درجات، فإنالعلم الحديث وأجهزة تكييف الهواء تعدل الحرارة أي عدد من الدرجات ".

    أماحسن فتحي فكان رده على هذا الهجوم بأن أشار إلى بناء في القاهرة على شكل صندوق منالألومنيوم والزجاح وقال: " عندما نقيم مثل هذا المبنى الذي يختزن حرارة الشمسليصبح إقرب إلى الفرن منه إلى المسكن، ثم نستهلك أطنانا من الوقود لتخفيض حرارته،فإن هذا يعد سفها!؟".

    وتبينت بعد ذلك أن الدكتور سيد كريم كان يبنيللأغنياء أما حسن فتحي فكانت تشغله قضية البناء للفقراء، وكان يشاركه الدعوة لهذهالقضية الفنان المعماري " رمسيس ويصا واصف "، وقد رفعا لواءها معا حتى منتصف القرنالعشرين ، ثم انهمك رمسيس ويصا في مجال آخر نال عنه شهرة عريضة، عندما أنشأ " بيتالفن " في قرية الحرانية بالجيزة ، الذي ينتج فيه أطفال الفلاحين حتى اليوم سجادالحائط المرسوم بزخارف وأشكال فطرية رائعة في صدقها، ويعملون داخل مبان مقامة منطين الأرض، سقوفها أقبية ونوافذها مشربيات، ومنذ 1955 أصبح حسن فتحي المقاتل الوحيدمن أجل " عمارة الطين ".


    من مباني النوبة القديمة (قبل الغرق) عمارتها الرائعة كالموسيقى هيالتي اكتشف فيها حسن فتحي حلولاً معمارية لأسلوبه في البناءللفقراء



    بالطبع كانت هناك مقاومة صامتة من المنتفعينبصناعات البناء الحديث، كالحديد والألومنيوم والزجاج، ثم الحوائط الجاهزة وما شابهذلك. لكن ظاهرة فشل جميع مشروعاته للفلاحين في مصر لم يكن سببها الوحيد مقاومةالآخرين لها، ولكنها أخطاء التجربة الجديدة ومشكلة أي فكر نظري عظيم عند اختباره فيالتطبيق العملي، بالإضافة إلى عناد حسن فتحي ( ابن الأكابر ) الذي أصر على أن يرتقيبالفلاحين طبقا لمفاهيمه هو لا مفاهيمهم ، دون حساب لرغباتهم.. بل بالرغم منهمبإصراره على أن يفرض عليهم ما لم يقبلوه.

    والغريب أن أسلوب البناء للفقراء - الذي نتوقع له أن ينتشر على النطاق العالمي خلال الأعوام القادمة - لم يطبق حتىاليوم على نطاق واسع في قرى مصر وواحاتها ليسكنها الفلاحون الذين حارب حسن فتحيوأفنى حياته من أجل إحياء أسلوب في البناء يتلاءم مع ظروفهم، ويواجه مشكلة الإسكانفي ظروف الانفجار السكاني. الغريب أن هذه الطريقة لا تزال حتى اليوم تستخدم في بناء " فيللات " ومساكن خاصة وقرى سياحية بنجاح، ولكن للأغنياء وليس للفقراء!.


    مئذنة المسجد من الطوب اللبن (غير محروق) في القريةالجديدة


    لكن المعماري المباع حسن فتحي كان محاطا بجيل من " الحوارين " المؤمنين بنظرياته في فن البناء، وهم يدركون النواقص والأخطاء التي كشفعنها التطبيق المحدود لنظريات أستاذهم، ويعملون الآن على عدم تكرارها ، إن الخطوةالتالية التي نتوقعها بعد استخدام هذا الأسلوب في بناء المساكن الخاصة واستراحاتالأثرياء ستكون بناء قرى حقيقية يقبل الفلاحون على سكناها.

    وليس في هذا ماينتقص من قدر الفنان المعماري والمفكر المبدع حسن فتحي، لكن المناقشة الصريحةلمنهجه وأسلوبه وأخطائه هي. السبيل إلى تطوير تجاربه وتعديل منهجه وتفادي العيوبالتي ظهرت في التطبيق فيتحقق الحلم الذي عاش من أجله وهو " البناء للفقراء ".

    نجم من الجيل الثاني

    هو أحد عمالقة الجيل الثاني من الفنانينالمصريين الذين ولدوا في مطلع القرن العشرين ( 23 مارس 1900 - 30 نوفمبر 1989 ). وقد تلقى علومه على يدي رائد من الجيل الأول هو " مصطفى باشا فهمي المعمار " مصممعمارة مبنى ضريح سعد زغلول بالقاهرة، والقصر الملكي وقصر الضيافة بالرياض وتوسيعمبنى الحرم المكي، ثم مبنى الجمعية الزراعية الملكية وسراي النصر بأرض المعارضبالجزيرة بالقاهرة، وغير ذلك من المشروعات.


    الجانب الخلفي (الواجهة القبلية) لأحد المباني الحجرية التي أقامهاحسن فتحي


    تخرج حسن فتحي في " مدرسة المهندس خانة " عام 1926 ( كلية الهندسة بجامعة القاهرة حاليا )، وعمل مهندسا بالإدارة العامة للبلدياتوالمجالس المحلية لمدة أربع سنوات، ثم انتقل للعمل أستاذا للعمارة بكلية الفنونالجميلة بالقاهرة عام 1930، واستمر في هذا الموقع حتى 1946. وقد انتدب عام 1946 منعمله بكلية الفنون الجميلة إلى مصلحة " الآثار " ليتفرغ لتصميم وتنفيذ قرية " القرنة الجديدة "، وقد توقف عن إتمام بنائها عام 1953. وخلال هذه الفترة وفي أثناءالضجة التي أثيرت حول " القرنة الجديدة " تولى العمل مديرا للمباني بوزارة المعارفالعمومية (التعليم حاليا) من 1949 حتى 1952. كما اختير عام 1950 خبيرا بالأممالمتحدة. وقد عاد للتدريس بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وتولى رئاسة قسم العمارةبها من 1954 حتى 1957.

    وانتقل للعمل بمؤسسة " دوكسياديس " للتعمير ومركزهاالرئيسي أثينا، وكان في ذلك الوقت عضوا في لجنة أبحاث مدينة المستقبل التابعة للأممالمتحدة، وفي خلال عمله في مؤسسة " دوكسياديس "، وضع تصميمات الإسكان المتميزبالعراق 1959، وجامعة الجزائر، وجامع باكستان 1960.


    جانب من عمارة دار الإسلام في ولاية نيومكسيكو بالولاياتالمتحدة


    وفي 1963 بدأ مشروع قرية " باريز الجديدة " بالواديالجديد ( الواحات الخارجة ) في صحراء مصر الغربية، وبعد عامين صمم المركز الثقافيبالأقصر ولم يتم تنفيذه، وفي 1964 أعير للأمم المتحدة مديرا للمشروع النموذجيلتعمير منطقة جدة بالمملكة العربية السعودية، ثم وضع تصميمات المعهد العالي لأبحاثالتراث والفنون الشعبية ليقام بالأقصر، لكنه لم ينفذ. وفي عام 1967 توقف تنفيذتصميماته لقرية " باريز الجديدة " في الواحات.

    بعد ذلك وضع تصميمات لعدد منالمساكن الخاصة في مصر وخارجها، وقد تم تنفيذ عدد منها، حتى أنجز عام 1981 تصميماتقرية " دار الإسلام " وتم تنفيذ جانب منها في ولاية " نيومكسيكو " بالولاياتالمتحدة الأمريكية. وهي مستوطنة شيدت بالطوب اللبن على أيدي البنائين النوبيينوأثارت ضجة كبيرة في الأوساط المعمارية الأمريكية، فقد أدهشتهم بحوائطها الطينيةومبانيها ذات القباب والأقبية، وكانت سببا في ذيوع شهرته الجماهيرية عالميا، خاصةعندما شاهدتها رئيسة وزراء الهند وقتها " أنديرا غاندي " وأعلنت أن هذا المنهج فيالبناء يصلح لإسكان ملايين الهنود الفقراء.

    وهكذا ارتفع تقديره عالميا،واعتبره المسئولون في منظمة اليونسكو: " أحسن مهندس للبيئة في العالم " وقامتالهيئة بإعداد فيلم وثائقي عنه وعن أعماله المعمارية.

    تقدير محلي وعالميلعبقريته

    حصل الفنان المعماري حسن فتحي على جائزة الدولة التشجيعية فيالعمارة لعام 1958 عن تصميم وتنفيذ قرية " القرنة الجديدة " ( النموذجية بالأقصر )،وكان أول معماري يحصل عليها عند تأسيس هذه الجائزة في ذلك التاريخ. كما نال ميداليةوزارة التربية والتعليم في العام التالي، ثم وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.

    وفي 1967 نال جائزة الدولة التقديرية مع الميدالية الذهبية، فتبرع بالقيمةالمالية للجائزة - وهي خمسة آلاف جنيه - لتوزيعها على خمسة من الملاحظين الذينعملوا معه في تنفيذ مشروعاته. ونال وسام الجمهورية من الطبقة الثالثة، ثم ميداليةهيئة الآثار المصرية، وعضوية المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلومالاجتماعية ( المجلس الأعلى للثقافة حاليا )، ووقع عليه الاختيار عام 1969 رئيسالمجمع الدائرة المستديرة الدولية لتخطيط عمارة القاهرة بمناسبة عيدها الألفي ( أيمرور ألف عام على إنشائها ).

    وقد حصل على الدكتوراه الفخرية من الجامعةالأمريكية بالقاهرة عن كتابه " البناء للفقراء " الذي كتبه بالإنجليزية ونشر لأولمرة في القاهرة تحت اسم " القرنة.. قصة قريتين " وقد ترجم إلى 22 لغة من اللغاتالحية، ولم ينشر بالعربية إلا بعد رحيله. وقد كرمه الاتحاد الدولي للمعماريينبإهدائه الميدالية الذهبية الأولى للاتحاد في ديسمبر 1984 باعتباره أحسن مهندسمعماري في العالم في ذلك الوقت، وهذا الاتحاد يضم تسعة آلاف معماري يمثلون 98 دولة،وأعلن وقتها أن نظرياته الإنشائية ومفاهيمه المعمارية يتم تدرسها للطلاب في 44جامعة بالولايات المتحدة وكندا وجامعات أخرى في دول شمال أوربا.

    وقد أقيممعرض لتصميماته المعمارية في مدينة استكهولم بالسويد عام 1986، ضم 80 صورة توضحمفهومه عن توافق البناء مع البيئة الطبيعية المحيطة به، ويعتمد تحقيق هذا التوافقعلى استخدام خامات البيئة في التشييد والبناء، في المحل الأول.

    كما حصل علىميدالية السلام من الأمم المتحدة، وجائزة الأستاذية من مؤسسة أغاخان للعمارةالإسلامية، وجائزة من السويد وأخرى من سويسرا. وقد كرمته كلية الفنون الجميلةبجامعة المنيا التى قدمت له جائزتها التذكارية خلال المؤتمر العلمي الرابع الذي عقدعام 1988 وقد أعلن حسن فتحي عند تسلمه الجائزة أن هذا هو أول تكريم من محفل أكاديميمصري يحصل عليه في حياته، وكان ذلك قبل وفاته بعام واحد.

    ومعروف أنه وضع 16دراسة وكتابا حول نظرياته المعمارية وتجاربه في ميدان البناء للفقراء، كما بلغ عددالدراسات التي تخصصت في مناقشة أبحاثه وفنه 28 بحثا وكتابا حتى وفاته 1989.

    النجاح بعد 3 تجارب فاشلة

    وضع حسن فتحي تصميما كاملا للقرية التيكان يحلم بإنشائها، وبدأ البحث عن موقع لإقامتها وعن جهة تنفق على تنفيذها، وحصلعلى هذه الفرصة عام 1941 عندما قررت " الجمعية الزراعية الملكية " أن تبني مساكننموذجية للفلاحين في قرية " بهتيم "، واستطاع أن يقنع المسئولين بمشروعه، وكانتتجربة فريدة أثارت اهتماما واسعا بين الزراعيين، لكنها لم تجد ترحيبا بين المسئولينأو لدى زملائه المهندسين، وقد أدهشه أن تقابل هذه التجربة بالرفض والتجاهل.

    كان الفكر الهندسي السائد في مصر يقدس العمارة الغربية الحديثة، ويهزأ منفكرة العمارة الريفية والشعبية، ويعتبرها تخلفا أو تمسكا بالتخلف، لهذا رأىالمعماريون في نظرية " حسن فتحي" تخلفا يبعد بها عن العصرية.

    أما هو فكانيرد على زملائه بقوله: " ليس من المعقول أن نشيد بيتا شرقيا في أوربا، أو بيتاأوربيا في الصحراء العربية، إن طبيعة المناخ المحلي تفرض طراز البيت، ومن الخطأ نقلالأفكار من بلد لآخر دون أي اعتبار للظروف المناخية والتقاليد الاجتماعية المحلية ".

    وكانت مجموعة المباني التي أقامها في " بهتيم " هي فشله الأول، فلم تكنقرية متكاملة، وقد عانت من التجاهل والسلبية من المسئولين، كما رفض الفلاحون سكناهالأن تصميم البيوت لم يتضمن مكانا لحظيرة المواشي التي أبعدها المعماري عن مسكنالفلاح، وبرر ذلك باعتبارات صحية، ولأنه كان يتقزز من فكرة معيشة الإنسان معحيوانات الحقل في مسكن واحد.


    جانب من الواجهة القبلية (خلفية المبنى) منزل الفنان حسن فتحي في سيديكرير


    لم يتفهم الفنان الأرستقراطي النشأة، أن إصراره على عزلحظيرة المواشي عن مسكن الفلاح هو أمر يطير النوم من العيون، فالبقرة التي تعمل معصاحبها في الحقل نهارا يتحول هو إلى حارسها ليلا ، يطعمها ويحلبها . ولم يدركالمعماري المفكر مدى عمق الارتباط بين الفلاح المصري وماشيته ، ولم يفطن إلى أن هذهالعلاقة بلغت من المبالغة والتضخم حد التقديس في بلد زراعي آخر هو الهند، ومن هناكان إصراره على عزل الفلاح عن ماشيته بحجة أن اشتراكهما في المسكن أمر غير صحي وغيرإنساني.. هذا الإصرار لقي تعاطفا في الغرب ورفضا مطلقا من الفلاح المصري، وقد أصرالفنان على هذا الموقف ورفض أي مرونة أو تنازل عنه طيلة حياته، وهي مسألة كان يتحتمإيجاد حل معماري لها دون الإصرار على التفرقة بين الفلاح. وماشيته التي يستهدفهااللصوص والضواري.

    وقد تصدعت مساكن بهتيم المهجورة ولم تعش طويلا، كما أنالفنان لم يكن في ذلك الوقت قد وضع دراسات علمية إنشائية حول قدرة الجدران الطينيةعلى التحمل، كما لم يكن قد توصل بعد إلى فكرة الأسقف بالقبة والقبو التي واصلاستخدامها النوبيون حتى تهجيرهم .

    قرية القرنة

    جاءت الفرصة الثانيةعندما طلبت منه مصلحة الآثار عام 1946 أن يبني قرية كاملة غرب مدينة الأقصر لينتقلإليها أهالي " القرنة ".

    وقرية " القرنة " تقع في الجبل الغربي فوق أغنىمنطقة بالآثار المصرية القديمة حيث مقابر الملوك والملكات والنبلاء، وأثمن كنوزالحضارة المصرية القديمة. وقد تفنن أهل " القرنة " في التفتيش عن الآثار وفي بيعهاوتهريبها، بل وصهرها أحيانا لبيعها ذهبا خاما، وكان لهم تاريخ طويل ضج منه رجالالآثار، وفيلم " المومياء " لشادي عبد السلام يبرز بلغة السينما جانبا من هموم هذهالمنطقة.

    لم يجد المسئولون عن الآثار حلا لهذه المشكلة سوى تهجير أهاليقرية القرنة من موقعها في الجبل إلى مكان آخر، لحماية ما تبقى من آثار. كما وجدواأن أرخص عمارة وأكثرها ملاءمة " للقرنة الجديدة " النموذجية هي عمارة حسن فتحيالطينية.

    وأحس المعماري الفنان أن هذه هي فرصته لإبراز أفكاره بشكل - عملييفحم كل معارضيه، فجمع العمال والبنائين وذهب إلى القرية القديمة وطاف بها بيتابيتا، وقابل أهلها وأقطابها وشرح لهم مزايا الانتقال، وضرورة التخلي عن الحلمالموروث في الحصول على الكنز، واستطاع أن يقنع أغلبهم بل ويثير حماسهم ( أو هكذاتصور ).

    وارتفعت أعمدة المباني العامة : المسجد، والمسرح، والسوق، ومعرضلمنتجات القرية، ومدرسة للبنين، وحظيرة المواشي الجماعية، وعدد من المرافق الأخرى،وحول منطقة المرافق تمت إقامة جزء من المباني السكنية...

    لكن العقبات. بدأت. تظهر ليتعثر المشروع ثم يتوقف. وأعلن الفنان أنه لم يستطع إتمام مشروعه،واعترف بفشله الثاني، وامتنع أهالي القرنة عن النزول من الجبل لسكنى القريةالجديدة، وكانت الأوضاع السياسية قد تغيرت بعد 1952 فلم تجبرهم السلطات علىالانتقال، كما أن الفلاحين في المنطقة رفضوا سكنى القرية بسبب الفصل بينهم وبينماشيتهم. وظلت قرية القرنة الجديدة لأكثر من 30 عاما " سيمفونية لم تتم " لأنها ظلتمهجورة، حتى أدى ضغط الانفجار السكاني إلى سكناها بعد تغيير بعض معالمها، وقد تمترميم المسرح عام 1983. وفي قصة " الجبل " لفتحي غانم- التي تحولت إلى فيلمسينمائى- جانب منأحداث هذا المشروع الذي ظل مهجورا حوالي ثلاثين عاما.

    الخطأ في العمارة سواء من ناحية منفعتها أو جمالياتها، يعلن عن نفسه كاشفاعن عيوبها أو محرضا الناس على السؤال عن سبب " خرابها "، وكأنه جريمة معلنة طوالالوقت. وقديما قال أحد الحكماء: " إن الطبيب يدفن خطأه بينما المعماري يبرزه للناسكعاهة المتسول ! ".

    وقرية، القرنة " ظلت مهجورة عشرات السنين، ومعروف أنهامن الناحية الجالية أقرب إلى قطعة موسيقية عذبة منها إلى قرية ريفية، وكانت مشاهدة " القرنة الجديدة " وزيارتها تمثل جزءا في برنامج رحلات السائحين وزائري المنطقة منالمصريين والأجانب، إلى جانب مشاهدة الآثار، وقد رفض أهالي " القرنة الجديدة " الهجرة إلى المنطقة المنخفضة لرطوبتها بعيدا عن الجبل، ولأنهم يتعالون على الفلاحينالذين يسكنون المنطقة الزراعية، ومهنة أهالي " القرنة " هي إرشاد السائحين والاتجارفي الآثار الحقيقية والمزيفة.

    ورغم هذا فقد حققت تصميمات حسن فتحي للقرنةأكبر نجاح لنظريته عندما عرضها ودافع عنها في كتابه " القرنة.. قصة قريتين " الذيطبع فيما بعد تحت اسم " البناء للفقراء "، وهذا هو مثار التعجب في حياة هذاالمعماري العبقري عندما حصل على الجوائز والتقدير المحلي والعالمي عن فشله الثاني.. في مشروع معماري لم يتم!.

    الفشل الثالث في الواحات

    المشروع الثالثالذي أقامه الفنان هو قرية " باريز الجديدة " في أصغر واحات الوادي الجديد قرب " الخارجة " وقد تبنت هذا المشروع مؤسسة تعمير الصحاري. و " باريز الجديدة " تبعد ستةكيلو مترات عن واحة باريز القديمة، حول بئر اكتشفته هيئة تعمير الصحاري عام 1963وقد وضع الفنان دراسات دقيقة تفصيلية وبدأ التنفيذ 1965، وقبل أن يتم مشروعه قامتحرب 1967 فتوقف العمل. لكن الأهالي رفضوا الانتقال إلى القرية الجديدة لسبب غاب عنوعي الفنان وربما لم يكن في مقدوره أن يتفاداه، إذ إن أهالي الواحات يقيمون مدافنموتاهم في مبان ذات أقبية، وأسلوب البناء عند حسن فتحي يحتم استخدام القبو والقبة،لهذا رفض الأهالي الانتقال إلى القرية الجديدة فقد تصوروا أنهم سينتقلون إلى مجموعةمن القبور، وفشل المشروع الثالث!.



      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء مايو 23, 2012 10:48 am